عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

185

اللباب في علوم الكتاب

13 ] إلى غير ذلك . ثم قالوا : « وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ » وهذا يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون متمّما لما ذكرو ( ه ) « 1 » فيكون الكل شبهة واحدة ، والمعنى وما أنزل اللّه إليكم أحدا فكيف صرتم رسلا ؟ ! والثاني : أن يكون هذا شبهة أخرى مستقلة وهي أنهم لما قالوا : أنتم بشر مثلنا ، فلا يجوز رجحانكم علينا . ذكروا الشبهة من جهة النظر إلى المرسلين ثم قالوا شبهة أخرى من جهة المرسل « 2 » وهو أنه تعالى ليس بمنزل شيئا في هذا العالم ، فإن تصرفه في العالم العلوي فاللّه لم ينزل شيئا من الأشياء في الدنيا فكيف أنزل إليكم ؟ ! . وقوله تعالى : الرَّحْمنُ إشارة إلى الرد عليهم ، لأن اللّه تعالى لما كان رحمن الدّنيا ، والإرسال رحمة فكيف لا ينزل رحمته وهو رحمن ؟ ! ثم قال : « إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ » أي ما أنتم إلا كاذبون فيما تزعمون « 3 » . « إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ » قال وهب : اسمهما يحيى « 4 » وبولس « فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا » برسول « ثالث » وهو شمعون . وقال كعب : الرسولان صادق وصدوق والثالث سلوم . وإنما أضاف اللّه الإرسال إليه ، لأن عيسى - عليه ( الصلاة و ) السلام - إنما بعثهم بأمره - عز وجل - . قوله : قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وهذا إشارة إلى أنهم بمجرد التكذيب لم يسأموا ولم يتركوا بل أعادوا ذلك لهم ، وكرروا القول عليهم وأكدوه باليمين . قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وأكدوه باللام لأن علم اللّه يجري مجرى القسم ، كقوله : « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » أي هو عالم بالأمور « وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ » ، وذلك تسلية لأنفسهم أي نحن خرجنا عن عهدة ما علينا وهو البلاغ « 5 » . وقوله « المبين » أي المبين الحق عن الباطل وهو الفارق بالمعجزة والبرهان « 6 » ؛ إذ البلاغ المظهر لما أرسلنا إلى الكل أي لا يكفي أن يبلغ الرسالة إلى شخص أو شخصين . أو المظهر للحق بكل ما يمكن فإذا لم يقبلوا الحق فهنالك الهلاك فما كان جوابهم بعد ذلك إلا قولهم : « إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ » أي تشاء منا بكم وذلك أن المطر حبس عنهم فقالوا أصابنا هذا بشؤمكم « لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ » لنقتلنّكم « 7 » . قاله قتادة . وقيل : لنشتمنّكم « 8 » . « وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ » فإن فسرنا الرجم بالحجارة فيكون

--> ( 1 ) الهاء زيادة من « أ » . ( 2 ) في « ب » الرسل . ( 3 ) في « ب » تزعمونه . وانظر : تفسير العلامة الرازي 26 / 52 . ( 4 ) رواه النقاش فيما نقله عنه القرطبي في الجامع 15 / 14 وانظر أيضا زاد المسير 7 / 10 . ( 5 ) في « ب » الإبلاغ وكلاهما صحيحان . ( 6 ) في « ب » والبلاغ . ( 7 ) قاله الزجاج والفراء في معانيهما . الأول في 4 / 82 والثاني في 2 / 374 . ( 8 ) هذا قول الرازي في تفسيره 26 / 53 .